لو كنت الكاتبة الوحيدة في العالم!

“حتى تستطيع أن تمضي قدمًا في عملك، أن تكتب كل ما ينبغي لك أن تكتب، بالثقة التي ينبغي للكاتب أن يمتلكها لكي يكتب. انسَ أنك كاتب لم ينشر له انتاجه بعد، اعتبر أنك الكاتب الوحيد في العالم.” وليام سارويان

ماذا لو انقرض الكتاب من العالم …ماذا لو انقرضت اللغة وعدنا إلى وسيلة تواصل أدنى .. تخلينا عن كل ما يجعلنا بحاجة إلى الكلمات .. لا لغة إلا لغة المادة .. هل كنا لنكون تعساء؟
لو كنت الكاتبة الوحيدة في العالم .. لكان هذا العالم بغيضا للغاية .. عالم لا لغة فيه سوى لغة الانتاج للاستهلاك .. لا مكان فيه لنلق نظرة إلى أنفسنا ومشاعرنا ،لا وقت فيه لنتساءل ما الهدف من وجودنا ..لا وجود فيه للحب .. لا حبنا للبشر ولا حبنا لأنفسنا ..
أعتبر نفسي أني الكاتب الوحيد ؟ لو كنت كذلك .. لكان لزاما علي أن أعلمك ما معنى أن تقرأ .. ما معنى أن تترك رسالة لمن بعدك .. ما معنى أن تحمل على عاتقك عذاب شخص آخر .. قد يكون بجوارك أو في بلاد أخرى ، أن أكتب كما لو كنت وحيدة يضع على عاتقي مهمة كبرى ، مهمة أن أدير عجلة دماغنا ، أن أنفض الغبار عن عالم الخيال ، العالم الموازي الذي ندين له كثيرا ، أن أرميك في عالم الشك والحيرة .. سيكون علي أن أقوم بعمل آلاف الكتاب، ينبغي أن أخرجك من الدائرة الآمنة التي تضمك ، وأن أجبرك مكرها على أن تصنع  مسلماتك بنفسك .. أما إن فشلت .. فسأكون الكاتبة الأخيرة على هذه الأرض ، وسنعود بعجلة التطور للوراء ، سنعود إلى التجول في الغابات جماعات ، نأكل مما نجد ، لا أعتقد أننا سنقتل بعضنا كما نفعل اليوم لإعلاء شأن الكلمة ، لكننا لن نعيش كذلك … سنسعد في روتيننا اليومي ، لن يعكر صفو يومنا كلمة جارحة ، سنتزاوج وننجب ونرعى صغارنا ، سنتجول ونصطاد كي نأكل ، سنتمدد تحت الشمس نمارس الكسل..
أكثر ما يخيفني في هذه الفكرة أن تنقرض الموسيقى معنا .. رباه لا تجعلني أرى يوما كهذا! .. إن كان سيختفي الكتاب سيختفي معهم الموسيقيون والفنانون .. سينتصر في هذا العالم صانعو الحروب والسياسيون .. سيكون عالمنا هو الجحيم بذاته .. هل سأنجح فيما لو كنت الكاتبة الوحيدة في أن أحيي الموسيقى بكتابتي ؟ هل سأعيد النبض للفنانين؟ تعسا لي من كاتبة إن لم أفعل !
لو كنت الكاتبة الوحيدة .. سأحدثكم عن كل الدموع التي لم تسكب .. عن كل الضحكات التي لو تحررت ستصل للسماء .. سأحكي لكم كيف كنا شعبا نحب الحياة .. وكيف تمردنا عليها فيما بعد .. وكيف نصارع لنبقي على قليل منها .. سأخبركم عن الأصنام التي نعتكف إليها .. الأصنام التي صنعناها بأيدينا ثم تحولنا لعبيد لها … عن صنم المجتمع .. الذي يعطينا سياطا نضرب بعضنا البعض بها .. عن صنم إله صنعناه .. إله الموت الذي يأمرنا بأن لا نعيش ، أن نحارب الحياة ، وأن نحارب من لا يحارب الحياة معنا .. صنم المادة .. الذي لا نكتفي منه يوما . صنم العمل ..صنم نعتكف على عبادته ونطلب المزيد .. صنم يسلب منا أنفسنا وأصدقاءنا وشركاءنا وأبناءنا .. ما أكثر أصنامنا .. وما أكثر ما سأحتاج من دفاتر أحطمهم بها ..
لو كنت الكاتبة الأخيرة … ولو فشل كتابي .. سأكتب مرة ثانية وثالثة … حتى الموت! بل سأكتب ولن أحاول أن أنتظر رد فعل الناس .. سأكتب كل يوم بأسلوب .. سأستعير أسلوب ساراماغو الساخر ، نيتشه الثائر ، تولستوي الأبوي .  سأبني يوتبيات خيالية .. سأكذب إن اضطر الأمر .. كي أجعل قلب البشر ينبض من جديد .. وتحيا الكلمات والموسيقى والرسم … لو كنت الكاتبة الوحيدة .. لن أترككم .. لن أترك هذه الحياة التي أعطتني وأخذت مني .. لن أترككم تهنؤون بعبوديتكم .. أنا آسفة لذلك .. سأنتشلكم من بيوتكم الآمنة وأرميكم في بحار بلا شطآن .. سأدعكم تصلون للحضيض والقمة  معا .. لن تهنؤوا بعدها بطمأنينتكم السابقة .. ستتمنوها لكن لن تعودوا إليها مطلقا .. كلا .. لن أجعلكم تودون العيش كآلات حتى لو أسعدكم ذلك. .. حتى لو كلفني ذلك حياتي!